التحفة الثمينة... واليد الفقيرة

 

التحفة الثمينة واليد الفقيرة

في زحمة السوق، حيث تختلط أصوات الباعة بخطى المارين، وتتجاور واجهات الثراء مع مظاهر الحاجة، كان رجل يسير بخطى واثقة؛ رجل اعتاد أن يشتري ما يعجبه دون أن يسأل كثيرًا عن ثمنه.


لم يكن المال بالنسبة إليه سؤالًا، بل جوابًا جاهزًا.


وبينما كان يعبر أحد الممرات، استوقفه مشهد لم يكن في حسبانه.


على طرف الطريق، جلس رجل تبدو على ثيابه آثار التعب، وأمامه قطعة صنعتها يد ماهرة. لم تكن تشبه ما اعتاد الناس عرضه على الأرصفة؛ كانت تحفة متقنة، جميلة التفاصيل، تستوقف العين قبل أن تستوقف الرغبة.


اقترب الرجل الغني.


تأملها طويلًا، ثم مد يده إليها.


كانت تستحق المال.


وهنا، لم يتدخل السعر.


تدخل شيء آخر.


نظر إلى البائع، ثم عاد بنظره إلى القطعة.


قال في نفسه:


«غريب... كيف يمكن لرجل بهذه الحال أن يبيع شيئًا بهذه القيمة؟»


ثم بدأ صوته الداخلي ينسج له مخرجًا:


«ربما من الأفضل أن أساعده بدل أن أشتريها بهذا الثمن. يمكنني أن أعطيه صدقة، أو أشتري منه شيئًا بسيطًا... مناديل مثلًا، أو أي شيء آخر لا يكلف كثيرًا. أما أن أدفع مبلغًا معتبرًا في تحفة كهذه، فلا... ليس من المعقول أن أدفع هذا الثمن لرجل فقير.»


وهكذا، من دون أن يشعر، تغيّر السؤال في داخله.


لم يعد يسأل:


كم تساوي هذه القطعة؟


بل أصبح يسأل:


من الذي صنعها؟


ولو كان صانعها رجلًا أنيقًا، يحمل اسمًا معروفًا، ويعرضها في متجر فاخر، لربما دفع ثمنها دون تردد.


لكن لأن اليد التي صنعتها كانت يد رجل فقير، فقد أصبح الفقر في عينيه عيبًا انتقل إلى السلعة نفسها.


وقف يتأملها، مترددًا.


وكان البائع صامتًا.


لم يطلب صدقة، ولم يمد يده.


كان يعرض عمله فقط.


فهو لم يأتِ إلى السوق ليقول: «أنا فقير، ساعدوني».


جاء ليقول شيئًا أبسط:


«أنا صنعت هذا... إن أعجبك، فاشتره.»


لكن الرجل الغني ظل أسير ذلك الصوت الذي أقنعه بأن شراء القطعة بثمنها العادل ليس تقديرًا لصانعها، بل تنازل منه.


وأثناء تردده، مر رجل آخر.


توقف.


نظر إلى القطعة.


ثم إلى البائع.


وسأله عن ثمنها.


لم يسأل عن ثيابه، ولا عن حاله، ولا عن مكانته.


سأل عن العمل.


وحين سمع السعر، أخرج ماله ودفع.


ببساطة.


ناول البائع ثمنه، وأخذ القطعة، ومضى مبتسمًا.


أما الرجل الأول، فقد بقي واقفًا مكانه.


نظر إلى الفراغ الذي تركته القطعة.


ثم إلى الرجل الذي ابتعد بها.


وللمرة الأولى، أدرك أن المال الذي في جيبه لم يكن هو الشيء الذي منعه من امتلاكها.


كان غروره.


لقد كان يستطيع شراءها، لكنه أراد أولًا أن يشعر بأنه يتفضل على صاحبها.


وكان يستطيع أن يمنحه حقه، لكنه أراد أن يبقيه في موضع من يحتاج إلى إحسانه.


وحين قرر أخيرًا أن يشتريها، لم تعد للبيع.


غادر البائع السوق، وغادرت معه تحفته، وبقي الغني يحمل شيئًا أثقل من ثمنها:


حسرة أن يكتشف الإنسان قيمة ما بين يديه بعد أن تصبح في يد غيره.


ولعل أقسى ما في الحكاية أن الفقير لم يكن يبحث عن صدقة.


كان يبحث عن مشترٍ يرى قيمة ما صنعت يداه.


فليس من كرامة الفقير أن يُعامل دائمًا كمن يحتاج إلى الإحسان، وإنما من كرامته أن يُعامل، حين يعمل، كصاحب عمل يستحق أجره العادل.


فاليد التي تصنع الجميل لا تفقد قيمتها لأنها فقيرة.


والقطعة الثمينة لا تصبح أقل قيمة لأن صانعها جلس على حافة الطريق.


أحيانًا لا يكون الفقر في جيب الإنسان، بل في عين من لا يستطيع أن يرى قيمة ما صنعه الفقير.

قد لا تكون هذه الحكاية قد وقعت بهذا الشكل، لكنها تحمل شيئًا من واقعنا.


ملاحظة: هذه القصة من وحي فكرة الكاتب، وقد استعان في صياغتها وتحريرها بأدوات الذكاء الاصطناعي.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تطبيق " أحسنت "، أداة لتحفيز الأطفال على السلوك الإيجابي

اللواصق في الفنون والحرف اليدوية